علم الكلام والفرق الإسلامية
بقلم: الغليظ جواد
عرف ابن خلدون علم الكلام بأنه "علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب أهل السلف وأهل السنة"، بينما نرى عضد "الدين الايجي" يعرفه بقوله "علم الكلام العام يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه"[1]"، الشيء الذي يعني أن علم الكلام يتهم بدراسة الفرق المتعددة في الأديان والتي تنطلق من نفس المصدر مثل "القرآن والسنة" في الإسلام، إلا أنها قد تتقارب أو تتباعد في طريقة تفكيرها أو تأويلها لذلك الأصل الذي تنطلق منه، متأثرة في ذلك بظروف سياسية أو فكرية، وهذا ما يدعونا هنا لدراسة نشأة علم الكلام والفرق الإسلامية خصوصا الأولى في الإسلام."
يقول تعالى في قرانه الحكيم ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء، إنما أمرهم الى الله... (الآية 159 سورة 6 )﴾ و الكلام موجه هنا للمسلمين وذلك للكف عن الجدل والمجادلة التي لا طائل من ورائها، خصوصا إذا كان بين أتباع الدين الواحد "الإسلام"، والرسول (ص) غضب يوما من أصحابه بعدما سمعهم يتجادلون في مسالة القدر والحرية... ومن ثم كانت مباحث المسلمين والصحابة في عهد الرسول (ص) تدور حول العمل عبادة كان أو معاملة، ولذلك وردت كتب الحديث وسيرة الصحابة مسجلة اختلاف هؤلاء في مجال الاجتهاد الفقهي والتشريع العملي، ولم يرد فيها قط اختلافهم أو جدالهم في الأمور الميتافيزيقية.
ولقد تعود مؤرخو الفكر الإسلامي أن يصنفوا الأحداث الاجتماعية-السياسية التي تلت وفاة الرسول (ص) والتي ساهمت بكيفية تدريجية في التقليل من تماسك وحدة امة محمد على حد تعبير احدهم كما تركها، وتجب الإشارة الى أن بعضها كان خطيرا وجب على كل مسلم العلم بها، لكن الخوف من التفكك كان دافعا الى الغض عن بعضها، وما تأليه على بن أبي طالب بين بعض أتباعه من الشيعة إلا ""مكيدة يهودية"" كما يقال، ونحن لا معلومات لنا عليه إلا أننا نحن كذاك نغض الطرف للتأكيد على أن "مشكلة الخلافة" هي التي أفاضت الكأس آنذاك تاركين للقراء البحث عن تلك الأحداث الخطيرة.
إن الخلافة هي أهم شيء أثير بعد موت الرسول(ص) إذ لم يوصي لمن يخلفه بعد وفاته، إذ ترك المسالة لهم، وهنا ظن كل من الأنصار والمهاجرين نظرا لما قدمه كل منهم من مجهود في سبيل إقامة الدولة الإسلامية انه أحق من غيره من الخلافة وقيادة شؤون المسلمين، فالمهاجرين صاروا يتعللون بسبقهم في تحمل أعباء قيام الدولة الإسلامية منذ بداية عهد البعثة في مكة، بالإضافة الى أنهم من قوم النبي وشيعته... أما الأنصار فقد استبعدوا هذه الدعوى، خصوصا الرابطة العصبية ورأوا أنهم هم الذين اعز الله بهم الإسلام وفي أرضهم ظهر، وقد ابلوا البلاء الحسن في إقامة أسس الدولة الإسلامية وصرحها النهائي. ولما تكافأت حجج الفريقين قال بعضهم "منا أمير ومنكم أمير" وحين ظهر لن هذا غير ممكن التحقيق، حسم الأمر ببيعة أبي بكر الصديق وأعلن كأول خليفة للمسلمين بعد وفاة رسول الله(ص). وقد قيل أن علي بن أبي طالب كان يظن أو يرغب في أن تكون الخلافة في عشيرة النبي وأسرته، وليس في قريش فحسب.
فبعد توالي الأحداث ظهرت حركة "مانعي الزكاة" بقيادة "مسيلة المتنبئ الكذاب"، ويذكر انه ثار هناك خلاف بين أبي بكر وعمر بن الخطاب في شانها، وهي أول حركة ظهرت في الإسلام آنذاك، وكانت بمثابة امتحان لخلافة أبي بكر. أما عمر بن الخطاب فقد استطاع الحفاظ على وحدة المسلمين الفكرية والسياسية ومنع كل دعوة أو حركة ظهرت في عهده، إلا أن عهد عثمان بن عفان شهد اضطرابات سياسية خطيرة، إذ في هذا العهد فتح المسلمون أراض عديدة، ودخلت أمم كثيرة في الإسلام، وتدفقت أموال كثيرة على المسلمين، وتبقى محل نقاش من ناحيتنا لأننا نطعن في طريقة وكيفية وشرعية هذه الفتوحات أو الغزوات، إذ تمكن بعض الأمويين في آخر عهد عثمان من احتلال مراكز مهمة في البلاد مستغلين في ذلك دخول بعض الأمم الإسلام واستغلالهم ماديا ومعنويا مع عدم أحقيتهم في الوصول الى تلك المراتب وما استغلال الإسلام هنا لدليل على ذلك إضافة الى أن سلوكهم لم يكن خاليا من نزعة عصبية أموية مما أثار حفيظة الأمم أخرى.
فبسبب تلك الأحداث ظهر شخص يدعى "عبد الله بن سبا" ويقال انه كان من اليهود وقد اظهر إسلامه فقط وكان من اكبر الذين حرضوا الناس على قتل عثمان بن عفان، وقد اجبروا على بن أبي طالب على خوض حرب أهلية ضده وقد أدى ذلك الى قتل عثمان بن عفان، لكن الأمويين الذين كانوا يستفيدون من عثمان ظهروا ثانية في عهد على بن أبي طالب بدم عثمان بن عفان المقتول، وقد اضطر علي بن أبي طالب في الدخول في حرب مع أولئك الأمويين، وهم أبناء سفيان بن حرب، وقبل ذلك مع بعض الصحابة، وهنا كذلك وجب علينا معرفة أسباب هذه الاضطرابات التي نشأت بين الصحابة وعلي بن أبي طالب. هنا ظهر عبد الله بن سبا ثانية ليوحي للناس بان على بن أبي طالب هو الله وبسبب ذلك لم يتردد علي في قتل المنادين بذلك.
والأحداث تتوالى من الأسوأ الى الأكثر منها وصار أنصار آخرون لعلي بن أبي طالب يطالبون بمواصلة الحرب مع أنصار معاوية بن أبي سفيان بعدما اشتعلت بينهم، وحين رفض علي ذلك وقبل التحكيم الى القران باقتراح من أنصار معاوية خرجت جماعة من أنصار علي عليه، وصاروا يعلنون لا حكم إلا الله وان علي بن أبي طالب لم يكن على حق حتى قبل التحكيم أو الهدنة مع معاوية بن أبي سفيان. وحينئذ فقد خرج عن الحق وعن حكم الله، ولم يلبث أن قتل علي، كما قتل قبله عثمان وعمر وهذا شيء مؤسف وغريب كذلك.
إن الخلافة هنا لم تعد تؤكد لنا انه حقا كانت هنالك خلافة بسبب هذه الأحداث الخطيرة وما السكوت عن نبش تاريخها إلا دليل على ذلك، فبعد أن قتل علي استولى معاوية على الحكم (وليس الخلافة إذ أن جميع الكتب لم تعد تذكر كلمة الخلافة كثيرا) بعد اعتزال الحسن بن علي الحكم وتخليه عنه لمعاوية حقنا لدماء المسلمين، وهنا نرى طائفة من أصحاب الحسن بن علي تعتزل هذا الصراع السياسي، وتنقطع لتعاطي العلم والعبادة، وكان أولئك النواة الأولى للفرق الإسلامية التي سميت فيما بعد بالمعتزلة.
وبذلك توفرت الأسباب الأولى لنشأة أهم الفرق الإسلامية أو الكلامية في الإسلام، فأنصار علي بن أبي طالب الذين تمسكوا بخلافته كان من بينهم المقدمة الأولى لظهور واكتمال فرقة "الشيعة" التي كانت تناصر على وأسرته. والذين رفضوا التحكيم الذي قبله علي كما رأينا قد سموا "بالخوارج" والذي صار شعارهم الحكم لله لا للرجال. ثم ظهرت كذلك فرقة ثالثة تقف موقفا وسطا وترى "إرجاء" الحكم على هذه الخلافات السياسية والفصل فيها الى يوم القيامة والبعث، ولا ترى هذه الفرقة التي تسمى "المرجئة" تكفير احد من المسلمين المتخالفين.
تلك أهم الفرق الإسلامية التي تلت مباشرة هذا الاختلاف السياسي وذلك قبل أن تظهر "المعتزلة" التي نبعت في بيئة أحفاد وأنصار الحسن بن على بن أبي طالب الذين اعتزلوا الناس وانطلقوا للعلم وتدارسه.
لكن الملاحظ منا أن جل المؤرخين الإسلاميين لم يذكروا "السنة" بأنهم فرقة من الفرق الإسلامية رغم أنهم يؤكدون على أن منطلقات جميع الفرق الأخرى وهي السنة والقرآن.
بعض المراجع المعتمدة:
- د. مصطفى عبد الرزاق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية.
- د. إبراهيم مذكور: في الفلسفة الإسلامية : المجلد 2 دار المعارف بمصر 1976 .
- د. علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: الطبعة الرابعة المجلد 1 .
- د. احمد أمين: فجر الإسلام.
- د. علي سامي النشار مشترك مع لجنة من أساتذة الفلسفة : الفكر الإسلامي والفلسفة مكتبة المعارف طبعة 1979 .
كتبها المعذبون في الارض في 01:18 مساءً ::

الاسم: المعذبون في الارض

















